القرطبي

291

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ) قيل : إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه . وقيل : في المسلمين . قال ابن عباس : نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، فيقول المؤمنون : لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة ، ويسؤهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت . وقال مقاتل : كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة ، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا ، فيعرج عن طريقه ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب ، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك فنزلت . الثانية - روى أبو سعيد الخدري قال : كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى ) فقلنا : تبنا إلى الله يا رسول الله ، إنا كنا في ذكر المسيخ - يعني الدجال - فرقا ( 1 ) منه . فقال : ( ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه ) قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : ( الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل ) ذكره الماوردي . وقرأ حمزة وخلف ورويس عن يعقوب ( وينتجون ) في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه . وقرأ الباقون ( ويتناجون ) في وزن يتفاعلون ، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لقوله تعالى : ( إذا تناجيتم ) و ( تناجوا ) . النحاس : وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد ، نحو تخاصموا واختصموا ، وتقاتلوا واقتتلوا فعلى هذا ( يتناجون ) و ( ينتجون ) واحد . ومعنى ( بالاثم والعدوان ) أي الكذب والظلم . ( ومعصية الرسول ) أي مخالفته . وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد ( ومعصيات الرسول ) بالجمع .

--> ( 1 ) في ل : ( خوفا منه ) .